ابن الأثير
63
الكامل في التاريخ
عبد المطّلب إنّي واللَّه ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به ، قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني اللَّه تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها جميعا ، وقلت ، وإنّي لأحدثهم سنّا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا : أنا يا نبيّ اللَّه أكون وزيرك عليه . فأخذ برقبتي ثمّ قال : إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال : فقام القوم يضحكون فيقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع . وأمر رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أن يصدع بما جاءه من عند اللَّه وأن يبادئ الناس بأمره ويدعوهم إلى اللَّه ، فكان يدعو في أوّل ما نزلت عليه النبوّة ثلاث سنين مستخفيا إلى أن أمر بالظهور للدعاء ، ثمّ صدع بأمر اللَّه وبادأ قومه بالإسلام ، فلم يبعدوا منه ولم يردّوا عليه إلّا بعض الردّ ، حتى ذكر آلهتهم وعابها . فلمّا فعل ذلك أجمعوا على خلافه إلّا من عصمه اللَّه منهم بالإسلام ، وهم قليل مستخفون . وحدب عليه عمّه أبو طالب ومنعه وقام دونه ، ومضى رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، على أمر اللَّه مظهرا لأمره لا يردّه شيء . فلمّا رأت قريش أنّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، لا يعتبهم من شيء يكرهونه ، وأنّ أبا طالب قد قام دونه ولم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو البختري بن هشام ، والأسود بن المطّلب ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبّه ابنا الحجّاج ، ومن مشى منهم ، فقالوا : يا أبا طالب ، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا ، فإمّا أن تكفّه عنّا وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه ، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه . فقال لهم أبو طالب قولا جميلا وردّهم ردّا رفيقا ، فانصرفوا عنه ، ومضى رسول اللَّه ، صلّى